مجمع البحوث الاسلامية
322
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ففي المرّة الأولى أعلن أنّ بيعتهم النّبيّ مبايعة اللّه ، وأنّ يد اللّه كانت فوق أيديهم حينما وضع النّبيّ يده على أيديهم . وهذا تعظيم بالغ لهم وللنّبيّ ؛ حيث جعل يده يد اللّه ، وضعها على أيديهم ، وكفى به شرفا لهم . ومن أجل ذلك كرّر فعل ( يبايعونك ) ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ، في سياق الحصر ب ( انّما ) ، أي ليست تلك البيعة سوى بيعة مع اللّه مبالغة . ثمّ ختمها بقوله : وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ، وهذا أجرهم في الآخرة ، وذاك أجرهم في الدّنيا . أمّا المرّة الثّانية فأعلن في ( 2 ) في سياق مؤكّد لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، عالما بما في قلوبهم من صدق النّيّة ، فكافأهم بجائزتين معنويّتين في الدّنيا : إحداهما إنزال السّكينة عليهم ، وثانيتهما الفتح المبين القريب ، وهو الصّلح الّذي عقد بين المؤمنين وقريش ، وقد تكفّلت سورة الفتح وتفسيرها ببيان آثار هذا الصّلح المبين . هذه جائزتهم في الدّنيا ، أمّا في الآخرة فبوعدهم أجرا عظيما . ثانيا : جاءت في ( 3 ) مبايعة المؤمنات النّبيّ ، وهناك بون شاسع بين البيعتين بأمور : 1 - رغم أنّ المبايعة فيها كانت من طرف المؤمنين والمؤمنات ، أي أنّهم الّذين بايعوا النّبيّ من عند أنفسهم وبرضى منهم بهذه المبايعة ، إلّا أنّ ما بايعوه عليه مختلف ، يناسب حال كلّ من الرّجال والنّساء ، فالمبالغة من قبل الرّجال في الآيتين مطلقة ، لم يذكر متعلّقها على الرّغم من تكرارها فيهما ثلاث مرّات ، وجاءت مرّة رابعة مطلقه أيضا في ( 1 ) بلفظ ( ما عاهد عليه اللّه ) وهذا يحكي عن طاعتهم الشّاملة في كلّ الأمور للنّبيّ عليه السّلام ، إلّا أنّها حسب الرّوايات كانت على الصّمود والمقاومة أمام الخصم وعلى القتال حتّى الموت . أمّا مبايعة النّساء فكانت على أن لا يشركن باللّه - وهذا أصل الإيمان - وعلى أن لا يزنين - وكانت الفاحشة شائعة بينهنّ في الجاهليّة - وأن لا يقتلن أولادهنّ - وكانت عادة شائعة أيضا - وأن لا يأتين ببهتان بين أيديهنّ وأرجلهنّ - وهو أن يفترين على أزواجهنّ بأنّ أولادهنّ من الزّنى هم أولادهم - وأن لا يعصين النّبيّ في معروف . 2 - إنّ مبايعة الرّجال لم يأت بها أمر من اللّه ، بل انعقدت بينهم وبين النّبيّ بدعوة منه صلّى اللّه عليه وآله ورضي اللّه بها ، أمّا مبايعة النّساء - وإن بدأت منهنّ - فقد أمر اللّه النّبيّ بقبولها وبمبايعتهنّ ؛ حيث قال : إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ . . . فَبايِعْهُنَّ ، وهذه منقبة لهنّ . 3 - لقد عظّم اللّه مبايعة الرّجال بأمور : كرّرها ثلاث مرّات ، بلفظ المبايعة ، ومرّة بلفظ المعاهدة - كما سبق - وصفها بأنّها مبايعة اللّه ، وأعلن رضاه عنهم ، ووهبهم السّكينة ، والفتح في الدّنيا والأجر العظيم في الآخرة . أمّا مبايعته النّساء فقد كافأهنّ أوّلا بأمر النّبيّ بمبايعتهنّ ، وثانيا بأن يستغفر لهنّ ، وثالثا بوعدهنّ بأنّ اللّه غفور رحيم . 4 - قد كرّرت المبالغة في الآيات مرّات : ثلاثا للرّجال ومرّتين للنّساء ، والمبايعون فيها جميعا النّاس إلّا في